فخر الدين الرازي

240

تفسير الرازي

* ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ * ( الذين يبخلون ) * كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله ، وهو في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ويخلوا ببيان نعته ، وهو مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله : * ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) * وحذف الخبر كثير في القرآن كقوله : * ( ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ) * . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قرأ نافع وابن عامر * ( فإن الله الغني الحميد ) * ، وحذفوا لفظ * ( هو ) * وكذلك * ( هو ) * في مصاحف أهل المدينة والشأم ، وقرأ الباقون * ( هو الغني الحميد ) * قال أبو علي : ينبغي أن هو في هذه الآية فصلاً لا مبتدأ ، لأن الفصل حذفه أسهل ، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب ، وقد يحذف فلا يخل بالمعنى كقوله : * ( إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً ) * ( الكهف : 39 ) . المسألة الثالثة : قوله : * ( فإن الله هو الغني الحميد ) * معناه أن الله غني فلا يعود ضرر عليه ببخل ذلك البخيل ، وقوله : * ( الحميد ) * كأنه جواب عن السؤال يذكر ههنا ، فإنه يقال : لما كان تعالى عالماً بأنه يبخل بذلك المال ولا يصرفه إلى وجوه الطاعات ، فلم أعطاه ذلك المال ؟ فأجاب بأنه تعالى حميد في ذلك الإعطاء ، ومستحق حيث فتح عليه أبواب رحمته ونعمته ، فإن قصر العبد في الطاعة فإن وباله عائد إليه . ثم قال تعالى : * ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) * وفي تفسير البينات قولان : الأول : وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة والثاني : وهو قول مقاتل بن حيان : أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله ، والأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات . ثم قال تعالى : * ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) * . واعلم أن نظير هذه الآية قوله : * ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ) * ( الشورى : 17 ) وقال : * ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) * ( الرحمن : 7 ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه . أحدها : وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغي فعله والثاني : ترك ما ينبغي تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد ، لأن الترك كان حاصلاً في الأزل ، وأما فعل ما ينبغي فعله ، فإما أن يكون متعلقاً بالنفس ، وهو المعارف ، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح ، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من